السيد محمد تقي المدرسي
388
من هدى القرآن
نداءاتها ومخالفتها تباطأت عن العمل فلا تعود تلومه على خطاياه كثيرا . وبرامج الإسلام تهدف تنمية هذه النفس ، وتعتمد عليها في كثير من تشريعاته جنبا إلى جنب اعتمادها على العقل ، وهكذا يكون للإنسان محكمتان : محكمة نفسه اللوامة ، ومحكمة الآخرة ، قال الإمام الصادق عليه السلام : أَلَا فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، فَإِنَّ في الْقِيَامَةِ خمسين مَوْقِفاً كُلُّ مَوْقِفٍ مُقَامُ أَلْفِ سَنَةٍ ] « 1 » ، وقال الإمام السجاد عليه السلام : ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَكَ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِكَ ومَا كَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هَمِّكَ ] « 2 » . ولأن النفس اللوامة تقوم بدورها في حياة الإنسان تجعل الرسالات الإلهية والمواعظ الخارجية تلقى تجاوبا منه ، وإلا فهي لا تؤثر شيئا إذا عُطِّل العقل ومات الضمير ، قال الإمام الصادق عليه السلام : مَنْ لَمْ يَجْعَلْ ( نَفْسَهُ لَهُ ) مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظاً فَإِنَّ مَوَاعِظَ النَّاسِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُ شَيْئاً ] « 3 » . ( 4 - 3 ) وكما أن القيامة يوم البعث وجمع العظام فإن النفس اللوامة آية وجدانية على القيامة باعتبارها صورة مصغرة عن تلك المحكمة العظمى ، بل إنها تصبح بلا مبرر لولا أن الإنسان سيلاقي حسابه الأوفى في يوم من الأيام . من هنا يكون كفر البشر بالآخرة مع وجود النفس اللوامة فيه موضع استنكار ، ودليل ضلال فيه مبين ، ما توحي به الآية : « أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ » والمتتبع لموارد استخدام كلمة ( حسب ) على صيغها المختلفة في القرآن يجد أنها تعني الظن والزعم الذي لا أساس له ، وذلك يعني أن تشكيك الإنسان بالآخرة لا مبرر له أبدا ، وإنما يعتمد على التمنيات الواهية ، والخيال البعيد ، كما توحي الآية بأن مشكلة الإنسان ليست في عدم إيمانه بخطئه ، إذ إنه إن لم يعترف به للناس فإنه لا يستطيع الفرار منه أمام محكمة الضمير ، ولكن مشكلته كفره بالحقيقة الثانية ألا وهي القيامة ، التي تعني البعث والحساب والجزاء ، وذلك أنه لا يستطيع استيعاب حقيقة العودة إلى الحياة بعد أن يموت ويصير أشلاء موزعة وعظاما بالية تستحيل ذرات تراب مع الأيام . وجذر هذا التصور نجده حينما نبحث عنه في جهل الإنسان بقدرة ربه التي لا تحد ، وتقييم شؤون الخلائق بما فيها البعث والنشور من خلال قياساته الذاتية وقدراته المحدودة ، دون أن يعرف أن للكائنات العظيمة التي خلقها الله من جبال ووهاد وأراضٍ وبحار وسماوات ومجرات . . أن لها مقاييس أخرى لا تقاس بذاته . ولهذا فإنه حيث يجد نفسه عاجزة عن جمع عظام الموتى يحسب الأمر مستحيلا أما لو عرف ربه لتغير تصوره وموقفه ، وآمن بالآخرة مصدقا قول
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 67 ، ص 64 . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 16 ، ص 96 . ( 3 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 141 - 140 .